‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

عادات عجوز عشرينية بقلم أمينة الخلوفي





عادات عجوز عشرينية
أنصرف لموعد ألاقي فيه صديقي و أستعد أتم استعداد ، أحجز مكانا لشخصين و أهيئ الفضاء لتناول أطراف حديثنا الشيق الذي لا يتخطى عادة وجودنا نحن الإثنين ، ثم أبدأ في مخاطبة نفسي و الكلمات القاسية تنهمر غزيرة واحدة تلو أخرى كمطر فصل الخريف بعد أن أتذكر أن صديقي الذي أنتظر قدومه لم يعد له وجود ، لقد خانتني الذاكرة كعادتها و نسيت أني عجوز و لم أعد ابنة العشرين ، صديقي الذي أخذه مني العناد و الكبرياء لم يعد يجمعني به غير ذكريات لا أمل في رجوعها ، ودعته حين ركب سفينة و لوح لي بكفه و قال الوداع ، لا زلت ألمس دموعي التي روت ميناء قلبي العطشان لفراقه ، لم يكن صديقا كان حبيبا ، كان ميناء سلام ألج إليه ساعات الحرب و لحظة الغضب ، يسند روحه تآزر روحي و يروي قصصا أنسى فيها عالمي ، ذهب بعيدا حيث يستعصي عني لقياه ، و دعته و عانقت الألم ... أتساءل آلاف المرات لكن لاجواب ، ذهب حبيب روحي و أخذ علبة أسراره ليتركني تائهة لا معنى لأشيائي .. كان كل شيئ على ما يرام ، بسمته الشفافة ، نظراته المتأملة و لمسات يديه كبلسم يضمد الجراح ، لازلت أحتفظ بصورك في أركان من ذاكرتي و أنشد في غيبتك ألحانا ، ما زلت أغزل صوف الحب حين يتساقط المطر و يدق فصل الشتاء البارد أبوابي و أنا وحيدة في غيابك ، وهبت كل سنين عمري لحبيب تركني خلفه دون أن يستدير، تراني مازلت أحن لمكان كنا نتشارك فيه أنا و أنت حكايات ، لا أمل في رجوعي إلى الوراء ! أعود بعدها إلى حال سبيلي مودعة تلك التي كنت أخاطبها بأشد الخطاب قسوة ، أختلي بنفسي حيث رفرف الليل بجناحيه و السواد يكسوهما ، أفتح باب غرفة نال منها الشيب هي الأخرى فاستسلمت حتى داسها قطار الأيام ، ما عادت تأبى الركض للنجاة بروحها و لا هي تدري فن القتال ، فراغ بها خيم و هدوء يحلق كطائر ينشد في السماء ،تطربني رنات صوته فأبشر بفصل الربيع لكن ، ما إن أتمعن كلماته حتى أجدها رصاصات تصوب نحو قلبي لتخبرني أنه الخريف ، خريف عمر عجوز ما عادت ابنة العشرين ، يقول و صوته أحزان تبكيني ، ما عاد أمل في رجوعه فحاولي النسيان ! تتكلم دموعي الثائرة فتنسكب على الجفون ، أي التزام هذا و في أي معاهدة تحالفت أنت و ذاكرتي على الخلد ! عنيدة تلك الذاكرة ، تخونني فأتوهم لقياك ، توفي بتفاصيل جزئية تحيي ذكراك !" 
بقلم : أمينة الخلوفي

قصة قصيرة بعنوان ذكرى سخيفة بقلم ملكي أحمد الشافعي






ذكرى سخيفة
قد يتركنا الطريق دائما لنعيد بعض الذكريات المهشمة تحت تربة جافة،لم ينبت الفكر فيها يوما وهكذا ينتج لنا عقلا ساذجا يدور في قوقعة فارغة ،حتى تلك المشؤومة تضعك لونا وتحرك قلما موضوعا فوق قبر لكائن غريب، مهما يكن فالذي يدفعني أن أسير حول حلكة مضائة تنير لي فجوات مفقودة من دفتر صغير أضعته بخيال كبير.....
أضع شايا وورقا أسامر نفسي بهما دون توديع صك بريد لبنك الزقاق المهجور،حتى المقهى فرغ من بعض المسنين فقهقهاتهم تعالت على شرفات العازبات اللوات يطلن عليها لرؤية العالم السفل من جديد، نادلا يكتب رسالة تأخير وأقرأ مذكرة الصيفية في صبيحة أكتوبر السابع بعد العشرين، مازلت أردد نكهة الشاي بطعم النعنان الكوري وزخرفة إبريق تعود لعهد الفراعنة ..........أكملت صباحي لأحزم حقائب خفيفة أتتبع ظلي فوصلت لكلية (الأدب ) ..

بقلم: ملكي أحمد الشافعي

قصة قصيرة بعنوان موسم ذبول اللوتس بقلم الكاتبة الشابة نعمة نقاب

#موسم_ذبول_اللوتس
#القصة_المتحصلة_على_المرتبة_الأولى في مسابقة القصة القصيرة حروف أسيرة النسيان التي نظمتها مجلة سراج الحياة. 
ملاحظة: سوسن اسم مأخوذ عن المصريين القدامى، الذين أطلقوا اسم "شنسن" عن اللوتس البيضاء، والمعلومات المُقدمة أدناه عن دورة حياة الزهرة معلومات علمية ثابتة، وكل ما ورد ذكره عن رمزيتها "للخصوبة والحياة" واردة في ميثولوجيا الآسيويين.
موسم ذبول اللوتس!
حضرت اليوم نفسي، للموت الآتي الليلة، أ لا يقولون أن "أحباب الموت" يشعرون بقدومه، لا أعرف، ربما شعرتُ
 بذلك أيضا، لكنني مثلهم، لا لسان لي لأقول، أنني الليلة على موعد معه. سقيت أزهار شجرة الأكاسيا الصغيرة، التي غرستُها قبل فترةٍ في شرفتي لجلب الفراشات إليها، تفتَّحت زهورها بسرعة، أزهارٌ صفراء صغيرة بهية، طيِّبةُ الرائحة، كانت شجرة مُدلَّلة كثيرا، لأنني كنت دائما أحرص على دفئها، حتى لا تغادرَني إطلالة الفراشات الملوَّنة كل صباح، لأن لا احد غيرَها، كان يمرُّ بشرفتي للتحية، كان منزلي في الواقع حزينا، هادئا أكثر ممَّا يجب، لأنه خال من أنس او رفقة، عدا أشباح الذكريات التي تسكنه، فهو المنزل المتبقي لي من والداي رحمهما الله، عدتُ إليه بعد حصولي على الطلاق من زوجي، بعد زواجٍ دام عامين، زواجٌ كان ثمرة حبٍّ أسطوري، اعتقدتُ أن لا سنين تقوى عليه، و لا الموتُ بعظمته يُفنيه، لكن، كان للحياة كلمة اخرى.
أخرجتُ من درجي دفاتري وكل ملاحظاتي التي كتبتها ليوم رحيلي، ووضعتُها على المكتب لتكون في متناول الجميع، شعرتُ أنها بعد الآن، لن تكون أسراري، وأنها بعد اليوم، ستصبح بمنزلة الوصية المقروءة، لم أكن أملك ميراثا قيما أو أشياء ثمينة، وحتى إن وُجدت، لم يكن لدي من يرثها، لأن زواجي لم يشق كبدي على فلذة منه، اترك لها شيئا مني يذكرها بي، بل على العكس، انتهى زواجي أساسا، لأنني اكتشفت أنني لا يمكنني أن أصبح أما. بعد ما يقارب العام من زواجي، كان الجميع قد بدأ فضوله الشرقي المعتاد في مجتمعاتنا، عن سبب تأخر حملي، وتلك الزيارات المتعددة للأطباء كانت دائما تنتهي بطمأنةٍ منهم لي ولزوجي "إياس" أن لا مشكلة أبدا تعيق أن نحظى بثمرة شاهدة تمنح زواجنا بُعْدَ الأسرة، وقالوا أن التأخر ليس سوى نتيجة لأسباب نفسية متعلقة بتوتري و تفكيري الشديد في الأمر.
مرت الأيام، كان إياس فيها نعمَ الزوج و الصاحب، كان زواجنا محفوفا بالمودة و الاحترام، كانت شعلته ملتهبة كما كان أول مرة، عندما كنا طلابا في الجامعة، لم يدخر أبدا جهدا في إرضائي و إسعادي، كان يعاملني على أنني طفلته المدللة، بعد عام من زواجنا كان ما يزال يكتب لي رسائل قصيرة قبل خروجه إلى العمل، و يرسل أحيانا باقة ورود من مكان عمله، كما لو أننا مازلنا عشاق الجامعة، لم يكن يخطر ببالي أن غمامة الإنجاب تلك التي بدت لي "غيمة صيف" عابرة كانت قد بدأت تكبر و تسود أكثر، لقد أحببته بدوري، كما لم تحبَّ امرأةٌ، لأنه لم يكن الزوج فحسب بالنسبة لفتاة وحيدة عائلة، و يتيمة أبوين، كان أخي، صديقي و أبي و كل دنياي، كنتُ مستعدة للموت من أجله إن لزم الأمر، نظرةُ حزن واحدة في عينيه كانت كافية لقتلي، لتحطيمي، كانت تكفي لأكره الحياة و العالم أجمع، لكنني كنت أشعر بالعجز يسيطر علي يوما بعد آخر، عندما كنتُ أرى أنني أصبح سبب شروده عندما يرى أصدقاءه و أقاربه يداعبون أطفالهم، أصبح الموت يمزقني بسكاكينه في كل لحظة أراه ينظر مطوَّلا بعين دامعة أحيانا لصور الاطفال، في المجلات أو الإعلانات التلفزية، قد يبدو للجميع أن الرجال لا يضعفون إلى هذا الحد من أجل الأطفال، لكنني رأيت إياس منهارا، كما لم يكن من قبل، ضعيفا كسيرا كما لن يكون أبدا، كان في حاجة بعد حبه و اهتمامه بي، أن يرى مني "صبيا أو فتاة" يأخذان منه بعدي حبه و يسكنهما بجواري في قلبه.
بعد فترة شعرت بتعب شديد، كما لو أن مرضا يضعفني وينهك جسدي بشدة، لكنني لم أهتم كثيرا للأمر، واعتقدت أن السبب هو وضعي النفسي والضغوطات التي أعيشها بسبب موضوع حملي من جهة، وكذلك وضع الجفاء الذي أصبح يعنون العلاقة بيني وبين إياس مؤخرا. كنا كما لو أن بيننا جبالا وقارات و محيطات تفصلنا، و إن كنا في ذات الغرفة، كنتُ أخشى حتى أن أعاتبه، لأنني و في قرارة نفسي أعلم أن موضوع الإنجاب هو السبب، فكنتُ أكتم عتابي في صدري، و أربِّت على عواصفي لتهدأ، نعم كنتُ أغضب، من شعور النقص ذاك الذي يراك به الجميع، كنتُ أغضب لأنني بدأت أستسلم أيضا لذلك، و بدأت أشعر أن أنوثتي لا تكتمل، و بدأ ذلك الشعور يكبر و ينهش داخلي في صمت، و لم أكن أجِد غير صديقتي "أنيسة" تخفف قليلا من وطأة الحزن عندما تزورني باستمرار، و تسمعني عندما أفضي لها بكل ما أعيشه و أشعره.
لم تدم هذه الأيام طويلا حتى استيقظت يوما في المستشفى، كنتُ قد وقعتُ في المنزل وأُغمِي عليَّ، ووجدني إياس لدى عودته من العمل، غارقة في دمائي التي تفجرت من جرح في رأسي لما ارتطمت بالأرض عندما فقدت توازني ووقعت. طلب الطبيب ذلك اليوم على عجل استشارة الطبيبة المختصة بأمراض النساء والتوليد بالمستشفى، وقضينا النهار بطوله نتنقل بين كل أجنحة المشفى نجري مختلف التحاليل، التي اعتقدنا في البداية أنها ولا شك من أجل تأخر حملي لا أكثر، لكن الحقيقة كانت أكبر من ذلك، وأشد قسوة أيضا، في ذلك اليوم، أُطفْئت آخر أنوار الأمل في أن أكون أمًّا لطفلٍ من حبيبي إياس، لقد أسفر التحليل على إصابتي بسرطان في الرحم، في مراحل متقدِّمة، بسبب تأخر تشخيصه.
نسيتُ نفسي في تلك اللحظة والطبيبة تبلغني الخبر، ونظرت إلى إياس مطوَّلا، سرحتُ في ملامحه، لم أُبعِده عن مرآي و لو لثانية، لم أسمح حتى لجفوني باللقاء، كنتُ أخشى أن اغلق عيناي و افتحهما و اعرف أنني لست وسط كابوس مزعج، أمعنت بصري في الدمعة المكابرة بين أهدابه، في بؤبؤ عينيه الذي بدى كحطام المرايا المكسورة، رأيته و هو يتخبط كالمعلَّق على حبل المشنقة، و كنتُ أنا "السجَّان"، و رغم أن الأمر لم يكن الأمر بيدي، لكنني أنا من شددتُ ذلك الحبل حول عنقه. آه، كم بدى إياس مسنا، كيف كبر بتلك السرعة وشاخت تقاسيم وجهه، آه، كم كان متعبا. عدنا إلى المنزل، و لم يتحدث أيٌّ منا مع الآخر، بكيت ما شاء الله لي، و استمر الحال كذلك لأيام، و قبل ليلة من اليوم المقرر لإجراء عمليتي الجراحية لاستئصال رحمي، جلست مع إياس في غرفة مكتبه، كان قد وهب نفسه للعمل، ليتجنب لقائي، و محادثتي، و لينسى حيرته، بين حبه لي، و حبه للطفل الذي لن أمنحه إياه، بين صوته الداخلي الذي يُحدِّثُه بالبقاء وفاء أو شفقة لا أدري، و بين الفوضى الخارجية التي تحيطه و تصُمُّ حواسه و تطالبه بالزواج لإنجاب ولي عهده الذي يحمل اسمه من بعده، في تلك الليلة قررت أن أنهي غرقَه، أردت أن أهديه طوق نجاة من اللُّجج التي يغرق فيها، حتى و إن كناتُ قد حكمتُ على نفسي بالغرق إلى اللانهاية، و بكامل إرادتي. 
أخبرته أنني أعود إلى بيت أهلي، وأنني لن أكون أبدا عائقا في طريق سعادته، ما دمتُ لا أستطيع أن أهديه تلك السعادة التي يريدها، منحتُهُ خيار الابتعاد فقط، منحتُه حرية الزواج من أجل ولد، وإذا به يصمت، لم يحاول منعي حتى، لم أكن أنتظر أن أغير رأيي إذا ما طلب مني البقاء، لكنني اعتقدت كأي امرأة، أن لِحبي وعشقي وللأيام التي جمعتنا خاطرٌ لديه، وعندما انشقَّ صمته، قال مباشرة، أنه سيرسل ورقة طلاقي إلى عنوان والداي إن كان ما يزال نفسه، قال مجاملا أو مواسيا بعدها، ان العملية ستكون ناجحة، و انني سأكون بخير، وأنه سيكون بجانبي. خرجتُ من المنزل الذي اعتقدت أنه جنتي، وشعرتُ أنني كنتُ يومَها كحواء التي طُرِدت مرة اخرى من الفردوس، لكن من دون آدَمِها هذه المرة، عرفتُ يومها أنني خرجت "نصف أنثى" من هناك، وسأبقى كذلك دوما.
في اليوم الموالي لم أذهب إلى موعد العملية، كانت على أيِّ حالٍ محاولةً يائسة لمنع انتشار السرطان في جسدي لا أكثر، لأن كل فحوصاتي كانت تشير إلى أن المرض سيكون دائما ومميتا، كنتُ متأكدة أنني سأموت وحيدة، وخشيت من أن يطلبني الموت إليه وتكون أضواء غرفة العلميات آخر نور أراه.
حاول إياس يومها ثنيي عن قرار الإعراض عن العملية، تعددت زياراته لي في منزل والداي، لكنني كنتُ قد عزمتُ أمري على الاستمرار في العلاج الكيميائي، لا من باب نيتي في الشفاء التام، إنما أردتُ فقط، أن أحقق أمرا أخيرا قبل رحيلي. بعد وقت ليس بالطويل، وبعد أن بلغني أن إياس رُزِق بطفل من زواجه الثاني، وجدتُ أن أيامي تمر بلا معنى، وأن وجودي أصبح حقا أمرا مرهقا للحياة لأنني لا أفعل شيئا، سوى الاستسلام أكثر للمرض، فخطرت ببالي فكرة، قررتُ فتح مركز صغير للعناية بالنساء خاصة من يعانين من ظروف صعبة تمنع خضوعهن للمعاينة، وحصولهن على العلاج، ألحقتُ به أطباء مختصين بأمراض النساء والعقم، وأخصائيي توليد، بعد أن استثمرت فيه أموالا كنتُ قد ادَّخرتُها بنية أن افتح مكتب محاسبة مستقل لإياس، لكن، وجدتْ النقود طريقا آخر لها الآن.
عامٌ يُتِمُّ تعداد أيامه اليوم، لم أكُن خلاله سوى أنثى لا تملك غير هذه الشرفة المزهرة، التي تبدِّد الفراشات والطيور وحشتها قليلا، أجلس فيها، أبثُّ الزهور شكواي، التي أذبلتْ بعضَها، أسلِّم نفسي للكتب و الأوراق، أقرأ و أكتب، و حواسي ضائعة مع أنغام الموسيقى، أو صوت المذياع الذي بقي من أيام والدي رحمه الله، لقد أصبح صوت سُعالي الشديد بسبب المرض الذي أعلن سيطرته عليَّ، و شارف أعتاب الانتصار، و صوت المذياع المتقطع المتذبذب، أصبحا جزءا من روتيني اليومي، أصبحا شيئا من الطرب بالنسبة لي، تكتمل ألحانهما بفوضى الطريق الذي تطل عليه شرفتي، التي ما عدتُ الآن أعتبرها فوضى أبدا، أصبحت كأناشيد الأطفال التي تهدهد بها الأمهات أطفالهن للنوم.
رغم أنني شعرت بتعب شديد اليوم، بالكاد استيقظت واستطعت مغادرة سريري، لكنني أرغمت نفسي على ذلك، حتى أزور مركز "اللوتس" اليوم، لأنهم يحتفلون بمُضِيِّ عامٍ على افتتاحه، طلبوا وجودي ليحتفلوا بي كما لو أنني كنتُ "إلهة الخصوبة" بالنسبة لهن، لأن أغلب من في المركز، كنَّ نساء مثلي، قصةً أرادت أن تكتمل، صورة مبعثرة أرادت أن تنتظم، و أمومة أرادت أن تتفتح زهرتها، وتحقق ذلك للكثيرات، ممَّن كنَّ يملِكْنَ احتمالا و لو ضئيلا بالإنجاب، و عملُ الطاقم الطبيعي للمركز عظَّم ذلك الاحتمال و عزَّز فرصه في أن يعانق الحقيقة. كنتُ في النهاية بمثابة "الأم الروحية" لكل الأطفال الذين أطلقوا صرختهم الأولى في "اللوتس"، لم أستطع أن أكون أمًّا، لكنني منحتُ لغيري من النساء، ولو بمساهمة بسيطة، فرصة أن يعيشوا شعور الأمومة بالنيابة عني و عن كل النساء اللائي بَقينَ.."ناقصات".
عدتُ قبل قليل من الافتتاح، نظرت إلى حوض الماء الصغير، الذي تتربع فيه زهرة اللوتس" التي أهدتني إياها أنيسة عند عودتها من جولتها الآسيوية رفقة زوجها قبل أشهر، تذكرتُ انيسة، كم أردتُ رؤيتها، لألثُم حنانها و وفاءها لي طيلة هذه السنوات لآخر مرة، لكنها كانت في رحلة رفقة زوجها، الذي جاءه عمل طارئ خارج البلد، أذكر أنها أهدتني الزهرة و قالت أنها على اسمي "سوسن"، أخبرتني أنها لدى الآسيويين تعتبر زهرة كاملة نقية، و رمزا لرحم المرأة الذي تنبعث منه الحياة، قالت هذا و عانقتني و همست في أذني، بعبارة "سأحظى بأطفال منك ينادونني يا خالة"، لا تدري كم كانت كلماتها تلك ضمادا لجراحي. أنظر الآن إلى الزهرة التي رغم أنها تعيش معي مكابرة بعيدا عن بيئتها، لكنني حاولت جاهدة لإبقائها على قيد الحياة، ها هي الآن، ماتزال بجمالها، ببياضها الناصع، عائمة على سطح ماء حوضها، تتزين بلآلئ قطرات الماء، التي ليست سوى دموعها التي تسيل لتطهرها من كل نجس قد يصيبها، لكنها الآن، بدأت تضم أوراقها، لأن الشمس تسير إلى مغربها، لأنها زهرة لا تتبختر وتتباهى بأوراقها المتفتحة إلا للشمس.
يصادف اليوم أيضا، اليوم الخامس والأخير من دورة حياتها، آه! ليس عدلا أن تكون الحياة لهذه الزهور الرائعة، مجرد خمسة أيام قصيرة، تُغلق فيها الزهرة بتلاتها بغروب شمس اليوم الأخير، لتسقط، وتنثر بذورها الخالدة، لتمنح الحياة لقرنة خضراء فتية تظهر بقلبها، تكون برعم زهرة اللوتس الآتية.
أعلم أن زهرتي ستغلق اليوم بتلاتها لآخر مرة، ستموت مثلي اليوم، عقيمة، لأنه لا يوجد من يعتني بها بعدي. فقط لا أدري الآن، هل سأشهد نهاية حياتها اليوم، أم هي من ستنثر أوراقها لاحقا حزنا على موتي.
ثقلت يداي فجأة، وسقط قلم حبري على الورقة، أملتُ رأسي وحَنيْتُه على الطاولة، لأنه بدا ثقيلا جدا، شعرتُ بموجة برد تعتريني، بدأت عند أطراف أصابعي، سقطت محبرتي وتناثر الحبر إثر سقوطها في كل مكان، وتوضَّعت قطرات منه على زهرتي، صُمَّت أذناي، أصبحت كل الأصوات من حولي تبدو بعيدة جدا، كما لو أنها تصدر من آبار عميقة، أصبحت تبلغ سمعي مختنقة، تضببت رؤيتي، وكان آخر ما رأيت وأنا أشعر بالهواء يجرح صدري في كل شهيق وزفير زهرة "اللوتس"، كانت آخر ما أغلقت عيناي على منظره.
خمسة أيام فقط، تكفي لتذبل زهرتَيْ لوتس، بقيتا نصفين متفرقين، وجد الموت طريقا ليُكمِّل نقصهما اليوم.

بقلم: نعمة نقاب

قصة قصيرة بعنوان حب أقوى من الموت بقلم الأستاذة زراد جنات .




#حب_أقوى_من_الموت.
#القصة_المتحصلة_على_المرتبة_الثانية
 في مسابقة القصة القصيرة حروف أسيرة النسيان التي نظمتها مجلة سراج الحياة 
الإهداء:

مرفوعة بكل أمانة إلى من أشعلت في دربي دموع الفرح، وأهدتني كثيرا من زنابق الحب، إلى من أحببتها فوق مستوى الحب، فكانت حياتي امتدادا لأنفاس حياتها، إلى من هي بعض عمري، إلى من تسمو فوقها الكلمة، أهدي بعضا هو كلي..
كثيرة هي حكايا الحب وكل واحدة منها تحمل تفاصيل مختلفة عن الأخرى، متناوبة ما بين لقاء وفراق، حزن وفرح، مما يضم سجل ا
لحياة بين دفتيه من متناقضات لا تقف عند حدود حصر أو انتهاء، وحكاية حبها هي بعض من هذا وذاك.
برّح بها الشوق، وأضناها الحنين إليها، فأطلقت تنهيدة طويلة تنم عن وجع أصيل، وجع يستريح في ذاكرة القلب، سقطت على وجنتيها دمعتين حارتين انبثقتا من سويداء القلب، رفعت رأسها ونظرت إلى طفلها الصغير الذي كان يدلف الغرفة جيئة وذهابا باحثا عن لعبته الصغيرة التي كان يعشقها كثيرا، ثم ناداها ماما أين لعبتي؟ تركتها هنا؟.
دفعته عنها برفق كبير وأحست أنها مشتاقة لهذه الكلمة المقدسة، فاخذت ترددها دون وعي منها، ماما ، ماما، كان لهذه الكلمة الصغيرة مفعول السحر، لم تشأ ان تمسح تلك الدموع الطاهرة، شعرت ان أي يد تمتد إليها ستدنس طهر معانيها، مدت يدها إلى خزانة صغيرة كانت بجانب الاريكة التي كانت تحلس عليها وأخرجت منها ألبوم صور كانت تحتفظ به هناك.
أخذت تقلب الصور وإذ بدموع نورانية تتساقط سحا وتسكابا تعالج جرحا عالقا بين الضلوع، وفي كل مرة كانت تقلب صورة تقربها إلى صدرها وتلصقها بقلبها مرددة في لوعة تمزق نياط القلوب ماما ،ماما، وفجاة لمعت في رأسها فكرة، فنهضت مسرعة وهي تقول بصوت ما بين الجهر والهمس سأزورها، نعم سأذهب لزيارتها اليوم.
كان باب الغرفة مواربا ونور خافت ينبعث من زوايا الغرفة دفعت الباب برفق ونادت ماما ،ماما ،أين أنت لقد اشتقت إليك، لقد حئت ماما.
لم تجبها بكلمة واحدة كانت جالسة في ركن مظلم من الغرفة، أقبلت عليها تعانقها بلهفة وشوق، أحست أنها لم تفرح بها كعادتها، ورأتها وقد خيم الحزن علبها وتعلو وجهها مسحة من الكآبة، فسألتها مابك ماما لماذا أنت حزينة هكذا؟ ماذا ألم بك حبيبة القلب؟ رفعت إليها عينين مليئتين بالدمع ونظرت إليها نظرة مليئة بالعتاب واللون، وأجابتها بصوت منخفض وقلب منكسر ، لقد نسيتموني . لا احد يزورني، لا احد يتذكرني، سرت كقطعة أثاث قديمة مهملة، اشعر بالوحد والوحشة.
ضمتها في حنان بالغ وقبلت منها البدين والجبين، ومدت يدها المرتعشة تمسح عنها دمعة حارة ، سقطت في كفها وإذ بها تتحول إلى بقعة كبيرة من دم، بقيت تنظر إلى الدم الذي صار يسيل بين أصابعها وقد بلغت منها الدهشة كل مبلغ، وعقدت الحيرة لسانها، ولكنها استجمعت بقايا قوة مهشمة كانت رابضة بأعماقها وقالت لها بصوت متهدج ىتخنقه العبرات: أمي إذهبي عند أختي الصغرى هي وحدها بالبيت ليس لديها أولاد ستؤنس وحدتك وتسليها، ردت عليها بضعف شديد كيتيم يقف عند قارعة الطريق ينتظر يدا حنونا تمسح على شعره وتمحو الحزن الرابض بأعماقه وقالت لها دون ان تنظر إليها: أريد أطفالا، أريد أطفالا صغارا يؤنسون وحدتي، أرسلوا لي أولادا صغارا، هذا كل ما أريد، هم الذين سيملؤون عليا حياتي، هم الحب الذي لا يخطأ طريقا إلى القلب، هم النور الذي ينبجس من أعماق الصدق، هل ستفعلين؟
ماما ماما أين لعبتي؟ كان هذا صوت الحياة، صوت ابنها يناديها من جديد، فتحت أجفانها ونظرت حولها فوجدت نفسها في مكانها على الأريكة وهي تضع يدها على صورة والدتها المتوفية التي ضمتها إلى صدرها، ويدها الأخرى تحت خدها وقد امتلأت دمعا.
رجّعت واسغفرت الله وقامت توضأت وصلت ركعتين وناجت ربها ودعت لوالدتها بالرحمة والمغفرة، و تأكد لها أنه كان حلما ، من فرط شوقها لها وسألت الله ان يكون خيرا.
ولكن إحساس خفي ممزوج بنوع من المرار والخوف والترقب غزا قلبها وسيطر على كيانها، ولم تستطع منه فكاكا.
بعد أيام قليلة شعرت بدوار ووهن شديد في جسمها، وعلا سحنتها اصفرار وبداوعليه التعب والإنهاك، انتبهت على صوت الطبيبة تسألها هل لك أبناء من قبل، طفل وحيد أحابتها، وقد نال منها الخوف وبدأت دقات قلبها تتزايد بشدة وعلمت أنه لم يكن حلما بل نبوءة، وطلبا حقيقيا، لم تسع الفرحة زوجها وضحك كالأطفال الصغار، ولكنها لم تكن كذلك.
مرت الشهور بسرعة والعائلة تترقب بلهفة قدوم الزائر الجديد إلا أن إحساسها كان يأخذها هناك إلى خلف السراب، وظل أملها معلقا على أسوار الغياب.
كائن جديد ينمو بأحشاها بل قل بقلبها يتغذى من روحها، وحيرة السؤال تدنو منها، تنبش في الذاكرة وتترك استفهاما يجوس بالأعماق وأملا يطرق أبواب الوجع.
كلما مر يوم واقترب موعد الولادة كانت يصيبها هلع وخوف من الآتي، لطالما كانت أحاسيسها صادقة، هل ستصدق الرؤيا؟ نعم أكيد ستصدق، هل ستلبي نداء الحب؟
كان الجنين نشيطا جدا طيلة فترة الحمل، ولكن قبل موعد الولادة بيومين هدأ فجأة واستسلم للسكون، فزع الزوج وكل الأسرة أصابها ذعر شديد، اخذوها إلى المستشفى، تجمع حولها الأطباء، وظلوا يرددون لننقذ الأم ، لننقذ الأم، الجنين سيموت، اسقط في يد الزوج وذرف دموعا حارة على أمل ضاع، وحلم جميل عصفت به رياح الاقدار، والكل كان جزبنا، حتى السماء بكت بحرقة ومرارة لاذعة، ماعدا هي كانت فاقدة للقدرة على الإحساس، تجمدت مشاعرها وتحول حلمها إلى تمثال بارد من رخام.
فجاة دبّت الحركة وعاد الجنين إلى الحياة وعاد الأمل يراود القلوب وأطاح بحكم القدر، ولكن وحدها لم تعد الفرحة إلى قلبها وظلت تترقب موعدا مع القدر.
في الليلة نفسها جاءها المخاض، واستقبلت الحياة روحا جديدة بصرخة مستنكرة وغصة في قلب أم فاجأها اليقين على حين غرة.
كانت فتاة جميلة جدا بعينين زرقاوين وبياض فاتن وجمال ساحر أخٌاذ، كل من رآها تركت في قلبه علامة آسرة، ولا أحد كان يصدق أنها ولدت بنصف قلب، إلا والدتها أدركت ان النصف الثاني هناك حيث يرقد قلبها تحت اللحد
أشهر من المعاناة والألم وسفر يأخذهم من عذاب إلى عذاب، وأمل تخبو جذوته في القلوب يوما بعد آخر، وأرواح تحترق في أتون الوجع تطارد سرابا يحط كطير القطا في صحراء الروح القاحلة.
كانت الحلم الفجبعة، الحلم الحب يتمدد بأعماقها وتتسع هوته حتى تكاد تبتلعها، فتغرق في سديم من التفتت والضياع، ويرن الصدى بأعماقها مدويا أريد أطفالا، أريد أطفالا.
أخذت تقلب بصرها بين فلذة كبدها التي كانت تستسلم للوداع وتننطفئ الحياة بداخلها رويدا رويدا، وصراخها عاد مكتوما وأنينها يملأ أرجاء الغرفة وقد استحالت إلى بقايا بشر.
كان الأنين المتواصل يمزق صمت الليل ويتردد صداه في جوارحها وجنبات المستشفى، وكانت تعلم أنها مسألة وقت فقط، ولكن الانتظار سجان طاغية وجبار عنيد، مستبد يتسلى بآلام الفؤاد المقرح، ويعبث بأرواح ضامئة أنهكها القدر.
أي قوة هذه التي احتلت روح أم ثكلى تنتظر أن تبرّ بوعد قطعته على نفسها ذات حلم غدا واقعا، كانت ألام صغيرتها فوق احتمالها فتهرع إلى سجادتها تناجي ربها في جلال السجود،وأنفاسها زفرات وروحها تتقطع حسرات، فتقول يا رب خذها إليك، إرحم قلبها الضعيف، يارب خذها إلى أمي ألم يكن وعدا؟، ألم يكن عهد؟، يارب خذ قلبي إلى قلبي.
كانت امسية باردة، موحشة تستنزف دموع القلب كما حملت لها الابتهاج يوما هاهي تحمل لها شرائط الحزن تغزل منها كفنا للحبيبة، وقد بدأت الروح الثائرة تخمد في الجسد الخائر المسجى على سرير الموت الموصول بأسلاك الرحمة، هاهي الأنفاس تعلو وتهبط وتنسل رويدا رويدا، انتفضت غريزة الأم بداخلها هرعت إلى الطبيب وهي تنزف ألما تتوسله بحرقة موجع: أعد الحياة إلى ابنتي، أنقذ قطعة من روحي، نظر إليها الطبيب الذي كان يغالب بقايا النوم العالقة بأهدابه، وقال لها بهدوء شديد: سيدتي ابنتك راحلة، لن تعود. لحظات فقط وسينتهي كل شيء، لو سمحت أخرجي وانتظري حتى اناديك، لن تتحملي، ردت بهدوء أذهل الطبيب والممرضات بعد ان ثابت إلى رشدها، أرجوك دكتور لا تحرمني من أن اعيش مع ابنتي آخر أنفاسها لأزرعها بصدري إلى الأبد. لحظات كانت احد من النصال المغروزة في القلب كانت تميك ببديها الصغيرتين ومرددة لله ما أعطى ولله ما أخذ، وارتفع صوت المؤذن الله أكبر، الله أكبر، .....الصلاة خير من النوم، ضمت ابنتها إلى قلبها لآخر مرة، شمت رائحتها لتحفظها بأعماقها إلى الأبد، ثم قامت توضأت وصلت الفجر ورفعت يديها تشكر الله أن رحم ابنتها وجعلها تبر بوعدها لأمها، ورحلت الصغيرة إلى جوار ربها لتجد حضنا آخر بانتظارها، ضم قبلها قلب أمها.
وقفت عند قبر أمها وهي تحمل جثة ابنتها ، بعد أن صممت على أن ترافقها للمقبرة، وقالت لها والجميع ينظر في ذهول كبير، طلبت اطفالا، هاهي يا أمي قطعة من روحي ستأنس وحدتك وتهوٌن عليك غربتك، فهل انت راضية عني الآن؟.

بقلم: زراد جنات

قصة قصيرة بعنوان رائحة الموت بقلم الكاتب الشاب أحمد عبد المالك

#رائِحـــة_المَــوت
#القصة_المتحصلة_على_المرتبة_الثالثة في مسابقة القصة القصيرة حروف أسيرة النسيان التي أقامتها مجلة سراج الحياة

أربعونَ سنةً مرّت على آخر يوم كنت على قيد الحياة، ما زلت أشمُّ رائحة أوَّل كرةٍ اشتريتها، أًّوَّل سقوطٍ لي من الدراجة، كيف كنت أصْحُوا صباحًا على صوت أمِّي ‘'حمُّودة نوض أَ ماما راحْ عليك الحَال'' ما زلت أذكرُ رائحة يوم تخرُّجي من الكليَّة. كان عمري واحدٌ وعشرون، وعمرُ عقلي خمسون، حتى أنًّنِي بلغتُ الأربعين وقلْتُ ربِّ انِّي تُبْتُ الآن. كنت أعمقَ من أي شخصٍ مِنْ أبناء جيلي، حكيمًا كفايةً حينَ تسألني أمِّي عنْ نوعيةِ الأكل المُهترئ في الجامعة فأقول: والله عَايْشِينْ رَحمة ربِّي مَاكْلًة هَايْلة مايخصنا والو. أذكرُ كيف كان أصدقائي أيَّام الشباب يصفونني بقديم الطراز، لأنِّي كنت أهتم كثيرًا بالأشياء المعنوية، أٌؤْمن أنّنَي بالروح إنسان، وإلّا فلا فرق بيننا والحيوان. كان لي درجٌ بمكتبي أحتفظ فيه بأشياء مهمة وروحية كمصحفٍ قديم وسلسلةٍ حديديةٍ صغيرة لجدي. وكان لي أيضًا كراسُ يومياتٍ يلازمني أيام الجامعةِ أحتفظ فيه في الصفحة الرابعة والستين بصورةٍ لأبي، أكتب بِهِ أشياء أعتبرها مهمة دون الآخرين كتواريخ تعرفي وحديثي مع بعضِ الأشخاص. بمجرَّد أنْ أفتحه أحسُّ الأحاسيسَ ذاتَها، الرائحةَ والشعور.
الإنسانُ الصامتُ كثيرُ ضجيج القلب والعقل، دائما يكون خروف فداء يضيعُ حقّه بين الآخرين. فلطالما أردتُ أنْ أصرخ " أنا هنا. أنا موجود ‘‘كلّ ذلك جعلني أتعلّم كيف أكون شخصًا حكيمًا قويَّ الشَّخصية والكاريزما، تعلّمت الثِقة بنفسي، تعلمت الرّجولة والشّهامة وكيف أصنعُ اسمي بين الرٍّجال. تعلّمت كل هذا، لكن لم أتعلّم شيئًا واحدًا بعد، كيفَ أكونُ مثلَ الآخرين؟! غير مبالين، همُّهم عيشُ يومهم كأنّه لا وجودَ للغدّ. لكنّهم بالمقابل ناقمون على الحَياة لأنّهم لا يعلمون فظاعة الشوقِ، مرارة الحب وألم الفراق، آه كم الدنيا قاسية. فمنَ الحبّ مَا قتل أو ما دفعَ الى جُرفِ الجنون فإذا سألْتَ عني تجدُنِي تمامًا في عتمةِ تلك الهاوية، فما عليك إلّا أنْ تقع في حبّ امرأةٍ وشاهد التغيير، فبعد مدّة حتّى أنتَ لنْ تتعرّف على نفسك، تفعلُ أشياءً لم تفكّر يومًا أنّك قادرٌ على فعلها، تكتسب عاداتٍ ما كانت لك مِن قبلُ، فتتحمَّل مِن أجلها أشياءً لم تكن تطيقها، اِنّه ''الهْبال'' بحدّ عينِهِ! أمّا إذا كنتَ حَديثَ عهدٍ بالحبّ فكلّ شيء يبدأ بالخوف، الشوق، وخاصة الغيرة فمَا تلبثُ أنْ تكتشفَ أنّك قدْ وقعتَ في براثن العشق، فأين المفر؟
أذكرُ أنني صباحَ ذات نيسان كنتُ أشعثَ أغبرَ، وعندما أطلّت أحسستُ بقوّة ''بوباي'' عند أكلِه السبانخ، ف والله أنّني كدتُ أرَى النّور يشعّ مِن وجهها، فكأنّها طاووس من طواويس الجنةِ أو حورية مِن ألف ليلةٍ وليلة. حينها ارتجلتُ شعرًا:
أًطًلًّتْ تَمْشِي مِشْيَة الخَجَلِ
مَلِكَةٌ تَخْتَالُ مَهْلًا عَلَى مَهْلِ
أًطًلَّ الحَيَاءُ أًسْوَدُ المُقَلِ
ضَاقَ قَلْبِي. به عِبءٌ ثقِيلُ الحَمْلِ
إلهي، إلهي.
دَاويني شَافِيَ الأسقامِ، شافِيَ العِلًلِ

بَعدَ رحيلها أصبحْتُ زاهدًا في الحياة، ربَّما ستكونُ سببَ دخولي الجنّة، لأنّ كلّ شيء حدث ويَحدُث مَا هو إلّا لسبب معيّن. فقد وهبْتُ لها أربعين عامًا، أربعون سنة من الوفاء. فما نظَرتُ إلى امرأة بعدها، كلّ النّساء أراهنّ حمقاوات يطفينَ على السطح، همّهن العبثُ وعيشُ الحياة، لكنّها كانت مختلفة، عند رؤيتها للمرّة الأولى أوّل ما يبادر ذهنك أنْ تغوصَ وتستكشفها، لا أَعلَم إن كان سيأتي مَن مثلها إلى هذه الحياة، أشكّ في ذلك، بلْ أجْزم أنّه لنْ يكون. كانتْ عذْراء القلب نقيّة المشاعر، كلمةٌ منْها قادرةٌ على اللعب بأوتار قلبي، رشفة مِن كُحلِ عينيها تدخلني دهاليز الهُيام. فقطْ الآن تأكّدْت مِن مقولة مارك توين " بعد عشرين عامًا من الآن ستندم على الأشياء التي لم تقم بفعلها'' لأنني ندمْتُ مرّتين بعدَ أربعين عامًا. آه يا خجول، يا خجول!
قرأتُ ذات مرّة '' في عمر مَا ستعرف، أنّ الاحترام أهمّ مِن الحبّ، التفاهم أهمّ من التّناسب، الثقة أهمّ مِن الغيرة و الصبر أعظم دليلٍ على التضحية، عَداه لا شيء '' كنت أحترمها حدًّ الحشمة، أحبّها حدًّ الوفاء، كانت توأم روحي نتناسبُ و نتناغمُ كراقصي سَالْسَا معصوبي العينين، أثق بٍها و أغارُ عليها، أمّا الصبرُ و التضحية فالحكمُ حكمكم، فأن تضلَّ وفيّا رغم الموت أو الفراق هو قانون العشق الحادي و الأربعين، لم أتزوّجها لكن لم أتزوّج بعدها و لا قبلها، رغم ذلك أنجبت لي بنتا لم تلدها، اسمها '' بيكينام '' اسم فارسي يعني العفيفة آسرة العيون. لم تكن ''بيكي'' طفلة كسائرِ البنات، لم تكن عيناها زُرْقًا ولا خُضْرًا، لكنّها تملك أكثر العيون أسرًا، أكثرها خجلاً وتعبيرًا، لا تدري أعيناها حقيقة أَمْ حلم، إذا أطلْت النظر بهِما تحسُّ المَوجَ الأسود يناديك نحو الأعمق، فتصَاب بالثّمالة وتغرق كما غرقتُ أنا قبل أربعين عامًا. تعلمتُ أنْ أكون الأمّ قبل الأب، وفي وقت عملي كنتُ أتركُها مع الحاضنة، قد تقولون أنّني قاسي القلب لكن أفضل مِن بشاعَةِ حياةِ الميتم الذي كانت تعيش به، وبما أنه لا يوجد قانون بالعالم يسمح لأعزب بتبني طفل فقد دفعتُ الكثير حتّى نلتُ هذا الشرف.
أعيش الآن الوقت الضائع مِن حياتي، أربعون سنة مِنَ التدخين كفيلةٌ أنْ يشخّص الأطباءُ مرضي على أنّه سرطان رئةٍ متقدّم. فقد أدمنتُ التدخين واعتزلتُ العالم بعد ذهابها، جمعنا القدر وفرّقنا القدر. لم يتبقّى إلا أيّامٌ قليلة على رحيلي، لكنّني متحمسٌ لأنّه عند الموت يمرُّ شريط حياتنا كلّه أمام أعيننا، أخيراً سأراها فقد اشتقت إليها كثيرًا يا إلهي، أريد تذكر أيّامي الجميلة، أيام خجلنا، تكابرنا وصمتنا. أريد تذكّر أيّام الأحلام الزاهية لمستقبل لمْ يكن، بعدَ أن كان التخطيط للمستقبل أكبر همِّي. فاضَت روحي عشقا وضحّيت بحَياتي شوقا، لكِن لوْ كانت هناك حياة موازية لاخترتُ أنْ أعيش الحياة ذاتها فلستُ نادمًا على شيء في الأخير. شكرًا للقدر الذي جَمعنا وشكرًا للمكتوب الذي كتب لنا اللقاء، يا أنقى شيء حدث في حياتي. وكما يقولُ شيخُ العاشقين نزار قباني: لا علاقة حبّ بيننا لكن أحبُّ حديثك وأهتم بك وأتمنى رؤيتك وأغار عليك وأراقب نومك وصَحوك، لكنّي لا أريدك حبيب فالأحبّة راحلون. ربّما هو تأثري بفلسفة نزار الزائدة أو قلّة شجاعتي، لكنّها قصَّة رجلٍ أرادها زوجة قبل أن تكون حبيبة، وحبيبة قبل أن تكون زوجة فضاع عليه الحبّ والزواج.
أتراها تناقضات قلبٍ وخواطرُ قلم، أم هي رائحة الموت؟

بقلم: أحمد عبد المالك


قصة قصيرة بعنوان وحوش ميانمار بقلم وحي أفكاري.


وحوش ميانمار
قرب الموقد في مطبخ منزلنا وقفت منتصبا، كنت أحضر عصيدة الأرز لعائلتي، أمي، أبي وأختي التي بلغت خمس سنين الأسبوع الماضي.. بينما كنت أنتظر نضوج العصيدة، ألقيت ببصري إلى الخارج من النافذة الصغيرة الموجودة في جدار المطبخ لأرى مشهدا مريعا، عدد هائل من الخيم الفوضوية المقامة على أرض موحلة بللها المطر الغزير ليلة البارحة، كانت هذه الخيم عبارة عن عمود مثبت على الأرض يتدلى منه غطاء مربع من قماش رديء به العديد من الثقوب، ومثبت إلى الأرض في زواياه الأربعة بمسامير كثيرة، لا تقي هذه الخيم أهلها من حر ولا برد، ولا مطر ولا رياح.. إنهم في أشد حالات الفقر! فقد هجروا من مساكنهم بالقوة، ومورس عليهم أشنع ما قد يتصور العقل البشري، هكذا سمعت من حديث أبي وأمي ليلة البارحة.. لقد لجؤوا إلى قريتنا طالبين الأمان والعيش بسلام، لا أكثر..
كنا نبدو أغنياء أمام هؤلاء، فنحن لدينا سقف يؤوينا، ويحمينا من تغيرات الطقس.. نحن أحسن حالا منهم فلدينا غرفة صغيرة، نطبخ ونأكل وننام ونلعب فيها، هذه الغرفة الصغيرة هي التي تميزنا عن أولائك المحرومين ذوي الخيم الرثة..
نحن نبدو أغنياء أمام هؤلاء، فهم لم يجدوا ما يسترون به أجسادهم الهزيلة إلا بعض الأسمال البالية، وأوشحة تغطي رؤوس نسائهم، أما نحن فلدينا ملابس من العام الماضي، مرقعة في أماكن عديدة ولكنها لا تزال جيدة، وستصمد مدة أخرى من الزمن ريثما نشتري غيرها.
نحن نبدو أغنياء أمام هؤلاء، فهم لم يجدوا ما يسدون به جوعهم، ويسكتون به زقزقة عصافير بطونهم الخاوية إلا من بعض ما يجود به المحسنون.. أما نحن فلدينا هذا الأرز الذي نصنع منه كل يوم عصيدة تعتبر وجبتنا الوحيدة في اليوم.
لقد سمعت من والدي أنهم أُبيد منهم الكثير، شيوخ ونساء وأطفال.. هزتني كلمة أطفال، فقد صورت في مخيلتي حشدا ممن هم في مثل سني مقتولون بدم بارد، وملقاة جثثهم على الأرض تنهشها الحيوانات الضالة، تسمرت هذه الصورة البشعة في مخيلتي ولم ترد مغادرتها، وظلت تعذبني كلما أردت أن أخلد للنوم..
انتبهت من أحلام يقظتي مع نضوج العصيدة، فسكبتها في الصحن وأخذتها إلى حيث يجلس أبي وأمي الحامل في شهرها التاسع، فهي على مشارف الولادة، ناديت أختي التي كانت تلعب في ركن آخر بدميتها المصنوعة من القش، جلسنا إلى المائدة فقالت أمي: أشكرك يا بني، لقد عانيت معي كثيرا وقمت بجميع واجباتي رغم أنك لم تتجاوز العاشرة من العمر، لَكَم أتمنى أن يرزقني الله ولدا يَشُدّ به أزرك ويكونَ لك نِعم الأخ والرفيق في المستقبل..فأنت بحاجة لمثل هذا الأخ..
"شكرا يا أمي، فأنا أنا لا أبغي في هذه الدنيا إلا رضا رب العالمين الذي لا يكون إلا برضاك أنت، وأيًّا كان ما سيرزقك الله، فسأجعله قرة عيني ورفيق دربي..
ها هو الليل قد أسدل غطاءه الأسود في السماء فأحال زرقتها سوادا، أخلدت إلى فراشي منهكا، ها هي تلك الصور البشعة قد عادت إلى مخيلتي من جديد، آه... كم أمقتها، فهي لا تدعني وشأني.. إنها تحيل بهجتي حزنا.. وابتسامتي دموعا..وانشراح صدري ضيقا.. إنها تقلب مزاجي رأسا على عقب.. لا أدري ما سر ذلك الشعور الذي ينتابني كلما تذكرت حال أولائك الناس، إنه مزيج من الخوف والرهبة، و من الشفقة والرأفة.. وما فتئ النعاس أن نال مني وغطست في نوم عميق..
مع بزوغ الفجر وظهور أول شعاع من شمس يوم الإثنين، استيقظت على صدى صوت عنيف.. صراخ ممتزج بنواح نساء وبكاء أطفال، يا إلهي! ماذا يحدث؟ مالذي جرى؟ لماذا كل هذا الصراخ الذي يعم الأجواء؟... ما هذا؟! إنه صوت آخر يملئ الأجواء.. كأنها طلقات نارية!! يا إلهي!
سرعان ما أتت أمي مسرعة نحوي وهتفت قائلة: إنهم الوحوش يا بني، هيا قم بسرعة، سنهرب قبل وصولهم هيا انهض، إن أباكك في العمل ولا يوجد من يحمينا..
لم أشعر برجلي كيف هرولتا إلى الخارج وأنا أتبع أمي التي لم تقو على الجري، ولكنها كانت تحث رجليها لتمشي بأقصى سرعتها.. في الخارج رأيت حشدا من الناس يتدافعون للهروب من شيء ما كان وراءهم، التفتت إلى الجهة المعاكسة لهروبهم، فبرزوا لي من بعيد.. إنهم الوحوش، أجل هم بالتأكيد، من لباسهم عرفت أنهم جنود في الجيش، يحملون بأيديهم بنادق يصوبونها في كل مكان.. تمسكت بأختي التي كنت أحملها وركضت مع أمي خلف الحشود، هاربين إلى مصير مجهول، لا ندري هل سندرك المساء؟ أم سنقتل الآن على أيدي هؤلاء الوحوش..
بدؤوا يقتربون أكثر فأكثر، وبدأ صوت رصاصاتهم يعلو.. تشتت الجموع، وطفق كل امرئ يهرب باتجاه يحسبه الملاذ الآمن له.. كان مشهدا مروعا، يشبه إلى حد بعيد مشهد يوم القيامة الذي كنت أصوره في مخيلتي بلإستناد إلى الحكايات التي تصف هذا اليوم العظيم والتي كان أبي يقصها علي طوال الوقت، والآيات التي كان يتلوها علي من حين لآخر.. لم أفارق أمي أبدا، وظللت متمسكا بأختي التي كانت تصرخ وتبكي بشدة..
لقد وصلوا، أجل لقد وصلوا إلينا! هذه الوجوه البشعة المرعبة.. وتلك العيون التي تنفث النار بنظراتها المقيتة.. شعرت أنهم لا يتحركون بملئ إرادتهم، بل يحركهم الحقد والكراهية اللذان يسكنان في آعماق وجدانهم.. شبهتهم آنذاك بدمى الماريونيت، التي ترتبط بتلك اليد الآدمية فتحركها حيثما شاءت.. إنهم يزرعون ذلك الحقد والتمييز الديني والعرقي في أطفالهم وهم لا يزالون أجنة في بطون أمهاتهم!
لاح لي من بعيد مشهد مروع! رجل من الجيش يطعن شابا في صدره بخنجر فيرديه قتيلا.. وقع ذلك المنظر على مقلتي كالصاعقة! أهؤلاء بشر؟ وإن كانوا كذلك فهل بمقدور بشري أن يفعل ذلك بأخيه؟ سمعت صراخا صادرا من جهة أخرى.. التفتت إليها لتصيبني الصدمة!! مشهد لا يطاوعني لساني على وصفه لقذارته وبشاعته.. ثلاث رجال يقعون كالبهائم الضالة على فتاة قاصر لا حول لها ولا قوة.. يستلذون بتعذيبها، وتتعالى ضحكاتهم لتمتزج مع صوت صراخها الذي يذيب الحجر وكل شيء، إلا قلوبهم.. إنه اغتصاب جماعي لقاصر.. تأكدت بعدها أن ما قالته أمي صحيح، إنهم وحوش انتحلوا هيئة بشر! أنتم وحوش.. وحوش.. وحوش...
لا أصدق كيف نجوت وأمي وأختي من تلك المجزرة! لقد مات الكثير، رأيت بعيني تلك الجثث المضرجة بالدماء والمرمية على الأرض.. أناس كانوا يركضون معنا، أصبحوا الآن بجوار ربهم.. عذبوا وقتلوا بأبشع ما قد يتصور عقل بشري.. لكن لماذا؟ لماذا نعامل بهذه الوحشية؟ ظل هذا السؤال يحيرني، إلى أن اكتشفت جوابه أخيرا، الجواب هو: لأننا مسلمون.. لكن لماذا يفعلون بنا هذا نحن بالذات؟ الجواب: لأننا أقلية.. أقلية روهينجية في بلاد معظم أهله بوذيون..لم يتقبلوا وجودنا بينهم ،اعتبرونا مجرد لاجئين منبوذين.
لكن السؤال الجدير بالطرح هو: أين إخواننا المسلمون في أ
نحاء العالم؟ لماذا لا يقدمون لنا يد العون؟ هذا هو السؤال الذي لم أجد له جوابا.. ربما هم لا يهتمون لأمرنا أصلا.. أو ربما أنهم يهتمون لقضيتنا حقا، لكن السلطة ليست بأيديهم لاتخاذ القرارات الحاسمة.. وتبقى هذه مجرد فرضيات لا أكثر، لكن الشيء الذي تأكدت منه الآن هو أن المسلمين اليوم قد بلغوا درجة عالية من الذل والهوان، بحيث لا يقدرون على اتخاذ أي قرار دون استشارة من هم أعلى منهم.. والأمر الآخر الذي أنا متأكد منه أيضا هو أن وعد الله سيتحقق، وسوف تعلوا راية الإسلام مجددا.. متأكد من ذلك..
وأنا في غمرة أفكاري، إذ بأختي تسرع نحوي لتبشرني بالمولود الجديد الذي أتى للدنيا، يا فرحتي، لقد أصبح لي أخ.. لكن يا حسرتي عليه، فقد كتب له أن يعيش في الملاجئ، ملاجئ مسلمي بورما المضطهدين. أدعو الله أن يجعله وأقرانه سببا لتمكين دين الله في هذه المعمورة.. اللهم مكن لدينك في أرضك واجعلنا سببا للتمكين..




قصة قصيرة بعنوان " عشق فلسطيني"

عشق فلسطيني
بعد يوم طويل من العمل وإنجاز عشرات الملفات المتراكمة داخل تلك الإدارة اللعينة.... يعود ذلك الرجل الطويل ذو اللحية الغير مرتبة بمشيته المتعرجة قاصدا المنزل في ساعة متأخرة من الليل .....تستقبله زوجته بابتسامتها المعهودة لكن عضلات وجهه تأبى الاسترخاء أمام ضحكتها وتبقي على وجهه العابس مثل كل مرة يعود فيها إلى منزله .....يتناول عشاءه ويطبع قبلة على جبين إبنه الوحيد ذو العام والنصف....يصعد إلى غرفته المنظمة من طرف زوجته ويستلقي في سريرهما ممسكا هاتفه مطلعا على آخر الأخبار التي تحدث في العالم ....الذي أصبح بفضل التطور التكنولوجي مثل قرية صغيرة .....تاركا زوجته في المطبخ تغسل الأواني وتنظف آثار العشاء...
كان العالم في ذلك اليوم هائجا جدا بسبب قرار ترامب التعسفي في حق الفلسطنيين وترسيمه للقدس عاصمة للإحتلال .....على كل هذه الضجة لم تكن تثير اهتمامه خاصة وأنه يكره الفلسطينيين والعرب تماما ....كان يخبر الناس دوما بأن حلمه الوحيد هو زيارة إسرائيل بلد العلم و التكنولوجيا وأن الفلسطينيين ليسوا إلا مجرد أوغاد باعوا قضيتهم ويستعطفون العالم من أجل ممارسة قذارتهم ...
..فور انتهائه من رؤية آخر مستجدات الساحة السياسية خلد إلى نومه دون أن ينتظر حتى زوجته ...ليقول لها تصبحين على خير ...كان حقا بارد المشاعر ....
ما إن غط في النوم حتى شعر بدوار شديد ....رأى دوامة من ألوان قوس قزح .. وجد نفسه وسط طريق معبد بالرمل ...والشمس في أوج ظهور لها ....ما إن مشى مسافة 100 متر حتى عثر لافتة مكتوب عليها منطقة منصورة الخيط .....هنا أحكمت الحيرة قبضتها عليه فقد كان في قرارة نفسه يعلم أنه يعرف هذه المنطقة لكن ذاكرته قد خانته ......
دخل تلك القرية يستكشفها لكنها كانت خالية على عروشها...زد على ذلك أنها تبدو قرية بدائية فقد كانت البيوت مبنية بالطين ....بل ولم يكن هناك أي أثر للاسمنت ...او شيء يوحي للناظر أننا في العام 2018... كان الوقت ظهيرة وكل الناس في منازلها مختبئة من حر الشمس .....ومن دون سابق إنذار رأى دبابات قادمة باتجاه القرية إضافة إلى جنود يمشون وهم ممسكون برشاشاتهم ...بكل خفة اختبأ وراء جدار موجود على حافة القرية ...وبدأ يراقب الجنود الذين اقتحموا القرية بكل قوة وبدأوا في إخراج الرجال والنساء والأولاد من منازلهم .....كان الرجال يقتلون وأما النساء فكن تغتصبن أمام أعين العامة وفي داخل المنازل
كان يسمع صراخ الأطفال وبكائهم ....كان صراخهم يدل على أنهم من العرب الشرقيين .......لكن أين هو بالتحديد ؟؟؟
في تلك اللحظة تذكر ذلك البائس كل شيء !!!!
مايحدث أمامه هو مجزرة منصورة الخيط التي ارتكبها الصهاينة في حق الفلسطينيين الأبرياء العزل....
لقد عاد به الزمن إلى 18 سبتمبر من عام 1984
بعد أن علم ذلك ...تملكه ذعر وخوف شديدين ...بدأ يتأمل جنود الاحتلال وهم يقتلون كل شخص ....استجمع قواه ثم نزل إلى وسط ساحة القرية ...أراد أن يتجه للجنود لكن أصابته رصاصة قبل أن يقدم على أي شيء......أحس بدوار قوي ثم سقط مغميا عليه ....
داخل غيبوبته عادت إليه من جديد تلك الدوامة الملونة بقوس قزح ...ماهي إلا لحظات حتى وجد نفسه وسط سوق مليء بالناس ....لم يبتعد كثيرا عن تلك القرية حسب ظنه ...كونه مزال يستمع إلى رواد تلك السوق وهم يتحدثون باللهجة الفلسطينية.....بعد جولة خفيفة وسط السوق واحتكاكه ببعض من الناس استطاع أن يعرف أنه في نحالين تلك المنطقة الواقعة في القدس المحتلة ... بعد زمن قصير سمع هتافات الناس ...نعم لقد كانت هناك هناك حرب بالحجارة بين أهالي المنطقة وجيوش الاحتلال على حد قول أحد الباعة هناك ...قبل أن يسمع دوي الرصاص في السماء ... اتجه ببطء نحو مصدر الرصاص متوخيا حذره...إلى أن وصل شارعا طويلا وقف في أوله وهو يلاحظ الصراع في أوجه بين الفلسطينيين الذين يرمون الحجارة من فوق السطوح و جنود الاحتلال الذين يرمون بالرصاص في كل مكان وجهة ....
كان يدرك أنه مجرد حلم لذلك حاول أن يبرز قليلا من شجاعته ..فقام بكل رشاقة وصعد نحو سطح أحد المنازل ورشق جنود الاحتلال .....ماكان يراه كان كفيلا بأن يجعله يدرك مدى معاناة الفلسطينيين وآلامهم التي يندى لها الجبين ...ما كان يراه من جنود الإحتلال في تلك اللحظات القليلة من سب وشتم و إطلاق للنار في مختلف الجهات كان يعبر وبكل وضوح عن وحشيتهم ولا إنسانيتهم ....أخذ يرشقهم بالحجارة بكل ما أوتي من قوة ...لكن رصاصة طائشة من أحد الجنود فقتلته افتراضيا ودفعت به داخل تلك الدوامة متعددة الألوان أين وجد نفسه هذه المرة وسط مسجد الأقصى .....بدأت حاسة سمعه تتعود على المكان شيئا فشيئا حتى أدرك أنه وسط خطبة الجمعة...كان الخطيب غاضبا بشدة...تيقن أنه يتحدث عن عزم ترامب على إتخاذ القدس عاصمة للكيان الصهيوني وغضبه الشديد لذلك واستنكاره سكوت العرب ....
على غير ما وقع له في المرتين الماضيتين بدأ ذاك التعيس يتذكر زوجته وبروده اتجاهها ...لم يفهم .حتى كيف تبادرت إلى ذهنه لكنه كان يدرك حق الإدراك أنه تجاهلها أكثر من اللازم......فاجأه وهو غارق في أفكاره صوت الخطيب وهو يقول :قومو إلى صلاتكم يرحمكم الله.......بعد نهاية الصلاة وجد المصلين يهتفون بنصرة الأقصى ثم بدأت الإشتباكات ....ما أثر في قلبه كثيرا رؤية النسوة اللاتي نهضن من أجل نصرة الأقصى ومواجهتهن لشرطة الإحتلال الظالمة
أفكار كثيرة بقيت تدور في رأسه بين اكتشافه لحقيقة معاناة الفلسطينيين وندمه على إهمال زوجته ..و.غضبه من الإسرائيلين الأوغاد .. .
وسط تلك الأفكار المتراكمة داخل رأسه ...أحس بصوت عذب يناديه ويوقظه من النوم ....لم تكن دوامة متعددة الألوان ....بل زوجته بشحمها ولحمها توقظه لأداء صلاة الفجر .....بعد أن استيقظ أمسك هاتفه ليرى الساعة فإذا به يفاجأ بخبر عاجل ....فلسطين تستقل وتطرد المحتل الصهيوني ......
هنالك اختلط عليه الحابل بالنابل ...ولم يدرك أين يعيش ...قال في قرارة نفسه : ربما مازلت أحلم.
بقلم" داود لغواطي"

قصة قصيرة بعنوان " آخر المعارك مع العدو

آخر_المعارك_مع_العدو.
أيها الصراصير لطالما عفست عليكم ودغدغت عظامكم المقرمشة ، لطالما كنت قاسياً عليكم بشتى الآليات الفتاكة ، منها المبيد الحشري والحجارة، وفيكم تعلمت فن الرماية ، كما أعترف لكم بأن قدمي ذات الرقم الأربعين لا زالت شاهدة على الحرب التي كنت أشنها عليكم بكل إقدامٍ وعنفوان، سواء في دورة المياه أو في أركان البيت وتحت وسادتي العفنة النتنة ، بالطبع فأنتم الأشرف مكانا ومقاما ، وأنا المتطفل المقزز الذي لا يرحم الكائنات الضعيفة ، والذي لطالما انتشى بتقسيط عظامكم اللينة ، و إخراج ما تحتوون عليه في بطونكم من بقايا الطعام العفن الذي أتركه في المطبخ ، ها أنا اليوم أتيتكم حافي القدمين و أنحني على ركبتاي أمام جلالتكم، فلا تخافوا و اخرجوا و اصطفوا أمامي لأقبل أرجلكم و أيديكم الشريفة، وها أنا أشكوا إلى الله ضعفي وقلة حيلتي لما تعرضت له من كبيركم، وأطلب منكم العفو والصفح والسماح ، فبعد ما كنت أود الدخول إلى موطنكم الذي هو ملككم "المرحاض" ، الذي هو عبارة عن ثكنة عسكرية تقومون فيها بجل الحركات والتداريب العَصيّة، من تسلق الجدران إلى القفز من أعلى السقف إلى ثقب المرحاض، اعترض لي صرصور قوي مفتول العضلات ذو شهامة وشجاعة يهابها العابرون، حاولت ألا أطأ عليه أثناء دخولي، لكنه استمر في حصاري ذات اليمين و ذات الشمال ، لكن بعد أن ضيق علي الخناق ، وجهت إليه قدمي الكبرى بما أتيت من قوة، لكن شئ غير عادي قد وقع ، لقد انفجرت دخان أسود داخل المرحاض مما عتم الرؤية من حولي ، بدأت أتحسس أضلاعي لكن رأسي تصلب ولم يعد له حراك ، لا أقدر على الوقوف ، إن يداي يكملان رجلاي اللذان اكتسيا شعيرات خشنة ، رباه...ما هذا، نعم أيها الصراصير الواقفين عند عتبة المرحاض ، لقد مسخت إلى صرصور مثلكم، { تعالت ضحكاتهم} ، نعم! وأخد كبيركم جسدي ، لا أعرف كيف وقع ذلك، لكن ما أتذكره في ذلك اليوم ، هو العذاب الأليم من طرف كبيركم الذي أخد جسدي ، حين بدأ يدغدغ عظامي ويحملني إلى أعلى ويضرب بي عرض الحائط ، ويدخلني في ثقب المرحاض مرات متوالية فقدت إثر ذلك حاسة الذوق ، كم تمنيت أن أموت في ذلك اليوم ، ولا أخفيكم أمرا ، لقد أصبح صاحبكم يجلس في غرفتي ومع أمي و أبي ، يقوم بكل الأفعال المشينة المنافية لعاداتنا وتقاليدنا المتجدرة فينا لقد شوه صمعتي بين الجيران والأقران...
وقالوا كلهم بصوت مرتفع موحد:
ـ ماذا تريد الآن...
قلت:
ـ لا أريد سوى جسدي أيها الشرفاء...
قالوا :
ـ لكن بشرط...
ونادو على أحد الجنود الصغار جسدا والكبار فكراً...وأخرج ورقة صغيرة من ركن الباب واستهل كلامه ب :
إلى يونس قاهر الصراصير سابقاً:
أسلم تسلم ، يأتك كبيرنا أجرك مرتين ، أما بعد :
كما لا يخفى على الجميع ، بأنك خداعٌ مكار ، قتال سفاح، وقح نتن ، لقد مرت علينا أياما عسيرة حفرت بمعاولها مكانا آسٍ في قلوبنا نتيجة الحصار والخناق الذي شددته علينا ، والاعتقالات التي طالت صفوف مناظلينا ، لذلك فبمقابل استرجاع جسدك المهترئ، لن تقرب دورة المياه مرة أخرى وسنفعل ما يحلوا لنا في منزلنا،إضافة إلى التحية صباح...
والسلام.
2017ـ06ـ18