تحليل قصيدة غرفة للشاعر سعيد حميد بقلم الكاتبة لحن الحياة


تحليل قصيدة غرفة للشاعر سعيد حميد.


بقلم الكاتبة لحن الحياة


1* تحليل العنوان:
إن كلمة غرفة تنقسم إلى أربعة أصوات وهي( غ-ر-ف-ة) حيث كان المقطع الصوتي الأول يتكون من صوتين مجهورين هما(غ-ر) وصوتين مهموسين هما (ف-ة) فنلاحظ ابتداء الكلمة بالأصوات المجهورة المتميزة بالشدة والقوة للدلالة على قوة المعنى وبعث الطاقة الإيجابية فيه ثم تنخفض قوة المعنى تدريجيا مع المقطع الصوتي الثاني من خلال الحروف المهموسة التي تتميز بالرخاوة والضعف فنجد الدلالة هنا تحمل معنيين متناقضين في قلب الشاعر يبدأ المعنى بما تحمله الغرفة من دلالة المكان المغلق ذو العمق الاستراتيجي الذي يبعث على الأنس والراحة والاسترخاء والخصوصية والأمان ثم تبدأ المفارقة في المقطع الصوتي الأخير حيث يبدأ الصوت بالتلاشي ويكون خفيفا لما تحمله الغرفة أيضا من دلالات للمكان المغلق والضيق والمظلم، إذ يبدو أن غرفة الشاعر تدل على الوطن الذي تتأرجح فيه الدلالات بين السلب والإيجاب وبين الأمان والخوف وبين السعادة والتعاسة، فبقدر ما يحس الشاعر بالأمان والراحة والفرح في وطنه الذي هو بمثابة الرحم الذي يستقر فيه الجنين بقدر ما يحمل دلالة سلبية ولدتها لظروف التي يعيشها الشاعر في هذا الوطن وقد جاءت لفظة غرفة خبرا لمبتدأ محذوف فالأصل فيها جملة اسمية( هذه غرفة) وجاء هذا الخبر نكرة للدلالة على خوف الشاعر من عدم معرفته ما في هذه الغرفة وما سيكون فيها.
وإذا ما عدنا لدلالة لفظة"غرفة" في القرآن الكريم نجد قوله تعالى في محمك تنزيله" وهم فيالغرفات آمنون" فنجد تفسير هذه الآية أن المؤمنين في غرفات الجنة آمنون من عذاب الله، كما نستطيع إسقاط المعنى على القبر الذي يكون مظلما لا يدري الإنسان مصيره فيه إلا إذا عمل عملا صالحا فسيكون له نورا وروضة من رياض الجنة، كذلك الوطن هنا هو غرفة لا يكون الأمان فيها موجودا إلا إذا كان الواقع الذي سيعيشه الشاعر في هذا الوطن آمنا.
2* تحليل القصيدة:
نجد هذه القصيدة تتأرجح بين الأصوات المهموسة والمجهورة فجاء المجهور فيها ما يعادل196 صوتا بينما كان المهموس فيها 116 صوتا فانقسمت القصيدة إلى دفقتين شعوريتين تتسم الأولى بنوع من الإيجابية مع بداية الفعل " أفتح" عيني فعبر حرف الفاء هنا عن الإبانة والوضوح، عكس الدفقة الشعورية الثانية التي تتسم بنوع من السلبية عبر عنها المقطع الختامي في الفعل" أغمض" عيني حيث يعبر صوت الغين عن الاستتار والخيبة والخفاء، وقد عبرت هذه القصيدة عن حالة نفسية للشاعر إذ نلحظ التكرار المتواصل لأحرف المد خاصة الألف الذي تكرر 54 مرة في القصيدة لأنه الصوت الأقدر على التعبير عن مشاعر الألم والحزن كما أنه باعتباره صوت مد فهو يفسح للضغط النفسي أن يتسرب ويتسلل وينزاح من خلال امتداده العميق وقد قادته هذه الحالة النفسية إلى اللجوء للحلم هروبا من واقع أليم يعيشه داخل هذه الغرفة وهي الوطن فنجده يصنع في أحلامه كل ما لا يتقنه خارجها إذ يعمل على تغيير هذا الواقع لكن في الحلم بيس إلا فبقدر ما تحمله هذه الغرفة من دلالات للأمان والسكينة إلا أنه لا يجد معنى راحته الحقيقية فيها إلا وهو نائم ذلك أنه عندما فتح عينيه في المقطع الاستهلالي وجد مصابيح الغرفة مطفأة فتدل المصابيح هنا على الأشخاص الذين أصبح كل منهم يفكر في مصلحته حتى أظلم نفسه كي لا ينار طريق غيره وهنا تحدث المفارقة حيث أن الأصل يكون في ظهور النور أثناء فتح العينين إذ الظلمة تكون بإغلاقهما فيحول الشاعر الشاعر هنا مسار حياته من ظلام الحقيقة إلى نور الخيال، هذا النور الذي يحاول استحضاره وهو يغلق تلك العينين ليفتح لنفسه عالما خاصا به لم يستطع أن يجده في الواقع المحيط به، عالم يتحكم بتفاصيله ويغير حيثياته كما يشاء فتتدفق هنا الطاقة الإيجابية مع الأفعال المضارعة التي استخدمها الشاعر بدءا بفعل" أستحضر" هذه الأفعال التي تبعث على الحركة والحيوية واستمرارية الحدث، هنا يبدأ الشاعر مغامرته المزيفة التي يعجز عن خوض غمارها في الواقع فيغير ألوان الجدران في الغرفة عله يجد بها متنفسا لمشاعرهويخرج بها من قتامة واقعه، حيث يبدأ الشاعر بتغيير تفاصيل الغرفة ويركز على اللوحة التي تمثل الواقع في وطن الشاعر هذا الواقع المليء بالمتناقضات والمغالطات والرذائل التي جعلت الشاعر يحس بالخوف والغربة داخل غرفته فيبدأ الشاعر باستبدال وجه المرأة في اللوحة فاستعمل الشاعر هنا لفظتان أولهما لفظة وجه والتي تحمل دلالة الحياة حيث أن كل تفاصيل الإنسان تكمن في وجهه فالوجه هنا يحمل مختلف الشخصيات التي تعيش في هذا الواقع، أما المرأة فاستعملها الشاعر لما لها من دلالة على الخصب والنماء وعادة ما يستعمل الشعراء المرأة في شعرهم كمعلم لبناء القصيدة بناء عضويا دراميا متكاملا فيعبر الشاعر من خلال المرأة عن مجتمع بأكمله لأن المرأة هي نصف المجتمع وتلد النصف الآخر فيحاول هنا تغيير الواقع من خلال المرأة التي ستسقط هذا التغيير على المجتمع بأكمله.
ويدقق الشاعر في هذا التغيير إذ يخفف من غلواء الكحل في عيني المرأة إذ الكحل هنا في الدلالة العامة يوحي بالجمال لما يبعثه من سحر على عيني المرأة وكأن الشاعر بتخفيفه لهذا الكحل يخفف من الألم الذي يصارعه في هذا الواقع، ثم يقوم الشاعر بطرد الشبح الذي يتربص بهذا المجتمع ليهدم بنيانه وأخلاقه، لكن الشاعر لا يكتفي بهذا التغيير فيقوم بتخطيط فتى بملامح طيبة ويقربه من المرأة فدل الفتى هنا على التجدد الذي يحمله الشباب والازدهار الذي يحدث في فترة القوة الإنسانية، هنا تعبر ابتسامة المرأة عن فرحها بهذا الفتى لما يحمله من دلالة على القوة والسند والسبيل للتغيير فتخرج المرأة من أسر اللوحة وتبدأ بتغيير أثاث الغرفة فيحصل هنا مبتغى الشاعر وتصبح الغرفة دلالة على كل أمان وسعادة ويفتح النور للشاعر بسبب هذا التغيير.
وقد وظف الشاعر التكرار على مستوى الكلمة والجملة فجاءت الجمل الاسمية قليلة في مقابل الجمل الفعلية التي تعادل17 جملة تفيد الاستمرارية والحدوث أما على مستوى الكلمة فنجد التكرار في كلمة لوحة إذ لتكرار الكلمة حضور متميز يوظفه الشاعر للتعبير عن انفعالاته ومشاعره فتكررت كبمة" لوحة " التي تعبر عن الواقع وما يحمله له الشاعر من حزن وألم وحسرة.
في تلك اللحظة التي يصل فيها الشاعر إلى التغيير الذي يريده يصحو فجأة فيصطدم بالواقع الحقيقي في تلك الغرفة فالأضواء خافتة والألوان نابية وقاتمة والصحف في كل مكان تحما معها المعاناة الفكرية واللوحة على ما هي عليه لم تتغير، لكن امرأة اللوحة تضحك وكأن المجتمع بكامله يسخر من حلم الشاعر على لسان المرأة ويؤكد له أن التغيير شيء مستحيل في وطنه فما للشاعر في تلك اللحظة غير العودة للنوم لكنه نوم مختلف بدون أحلام.
وإذا ماعدنا لتفعيلات القصيدة نجد أنها لا تخضع لبحر معين ذلك أن مشاعر الشاعر قد صبها في دفقتين شعوريتين عبرتا عن الألم تعبيرا متذبذبا وذلك لما يؤكده تذبذب حرف الروي في القصيدة، فحالة الشاعر هنا تتأرجح بين المتناقضات الشعورية ( أفتح/أغمض/أستحضر ضوءا/ أضواء خابية) لكن الحالة السلبية المفعمة باليأس هي من تتغلب أخيرا لتحكم على الشاعر بالتعايش مع واقعه الأليم، أما فيما يخص علاقة عنوان القصيدة بمحتواها فقد مثلت الغرفة وطن الشاعر بينما مثلت اللوحة الواقع ونابت المرأة والفتى عن وجود المجتمع.
3* الأسلوب:
تخلو القصيدة من الأساليب الإنشائية بنوعيها إلا ما جاء استثناء هل" هل كانت تسخر من حلمي" وهو استفهام لا يريد به الإجابة بل كأنه يتعجب به من موقف امرأة اللوحة، حيث أن الشاعر هنا يعبر عن واقع يعيشه فهو في حالة تقرير لمشاعره وإخبار عن آلامه وهذا ما لا تخدمه الأساليب الإنشائية التي لا تحتمل الصدق أو الكذب لذاتها.
4* اللغة:
جاءت لغة القصيدة قوية جزلة تعبر عن الحالة النفسية للشاعر وقد قسم الشاعر قصيدته إلى عدة حقول دلالية يخدم كل منها ما عبر عنه الشاعر:
1* حقل النور( أفتح- مصابيح- ضوءا- النور- أضواء)
2* حقل الظلام( أغمضها- مطفأة- خابية- نابية- أغمض عيني- النوم)
كما يوجد في القصيدة انزياح دلالي " تخرج من أسر اللوحة" حيث شبه اللوحة بالسجن الذي يأسر.
وقد جاءت القصيدة مبنية على وحدة عضوية وهذا ما يتميز به الشعر الحديث والمعاصر الذي يعالج في القصيدة موضوعا متلاحما ومتماسكا فيما بينه.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق